قرارات مجلس الأمن بين الشرعية الدولية وتعسف الأعضاء الدائمين باستخدام الفيتو واثره على مبدأ المساواة والسيادة
أ. د. عمـــر العكـــور
الجامعة الأردنية
كلية القانون
مصطفى محمد نصرالله
الجامعة الأردنية
كلية القانون
الملخص
الأهداف: تناولت الدراسة موضوع رقابة الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرارات مجلس الأمن، والتي جاءت في مقدمة ومبحثين، بهدف تسليط الضوء على مشروعية قرارات مجلس الأمن، وأهمية الرقابة عليها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومدى توفرها وتوافقها مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
المنهجية: اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي من خلال استقراء وتحليل نصوص النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وأحكام ميثاق الأمم المتحدة، وتسليط الضوء على بعض القرارات الصّادرة من محكمة العدل الدولية في بعض القضايا التى عرضت عليها واستعراض هذه الأحكام كتطبيقات قضائية متعلقة في الرقابة على أعمال مجلس الأمن والتعليق عليها.
النتائج: توصلــت الدراسـة إلى عــدم كفاية أحكـــام ميثاق الأمــم المتحدة في بســط رقابة الجمعية العامة للأمم المتحدة على أعمال وقرارات مجلس الأمن، حيث بقيت سلطة الأعضاء الدائمين في استخدام (الفيتو) مطلقة دون أيّ تعديل، بالرّغم من مطالبة ومناداة العديد من الدول وفقهاء القانون بإجراء التعديلات التي من شأنها إحداث التغيير الذي يحقق المحافظة على مبدأ المساواة بين الدول.
الخلاصة: ضرورة منح الجمعية العامة للأمــم المتحـدة صـلاحية الرقابة على قرارات وأعمال مجلس الأمن بتعديل نصوص ميثاق الأمم المتحدة بما يظهر رقابة الجمعية العامة على قرارات وأعمال مجلس الأمن بشكل واضحٍ وجليٍّ يمنحها كامل الرقابة والسلطة بما تتمتع به من مركز قانوني، وكذلك العمل القانوني لتعديل نصوص ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بصلاحية مجلس الأمن والحد منها ووضع معايير واضحة بضبط استخدام حق (الفيتو) من الأعضاء الدائمين، وتفعيل آليات الرقابة من قبل جميع الأجهزة وفي مقدمتها رقابة الجمعية العامة للأمم المتحدة.
الكلمات الدالة: (الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الرقابة، مجلس الأمن).
Abstract
Objectives: This study investigates the oversight of the United Nations General Assembly (UNGA) over the decisions of the Security Council. It aims to explore the legitimacy and importance of such oversight, assessing its alignment with the principles of the UN Charter.
Methodology: Adopting an analytical approach, the study examines the Statute of the International Court of Justice and the United Nations Charter. It also reviews relevant decisions by the International Court of Justice to understand the judicial implications in the context of monitoring the Security Council's actions.
Results: The study finds that the current provisions of the United Nations Charter are inadequate for ensuring effective UNGA oversight over the Security Council. It notes the unaltered absolute veto power of permanent members, despite widespread calls for reforms to uphold the principle of equal treatment among nations.
Conclusion: The study underscores the need to empower the UNGA with clear and explicit oversight authority over the Security Council's decisions and actions. This necessitates amending the United Nations Charter to reflect this oversight unambiguously, enhancing the General Assembly's legal status and authority. It also calls for legal efforts to revise the Charter’s texts pertaining to the Security Council's powers, particularly to regulate the use of the veto power by permanent members and to strengthen oversight mechanisms led by the UNGA.
Keywords: United Nations, General Assembly, Oversight, Security Council.
تاريخ التسليم: 13/04/2024
تاريــــخ القبول: 23/05/2024
تاريــــخ النشــر: 26/08/2024
مج3، ع2، ص20-29
المقدمة:
مجلــس الأمـن أحـد أهـم أجهزة الأمـم المتحدة التي تم إنشاؤها عقب فشل عصبة الأمم القيام بواجبها ومنع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ التحرك من الدول التي ظهرت أنّها منتصرة بالتحرك لإنشاء منظمة الأمم المتحدة، لتكون مظلة لدول العالم أجمع، وقامت هذه المنظمة على مبدأ مهم هو حفظ السلم والأمن الدوليين، ولمنع نشوب حروب ونزاعات تهدد البشرية.
وحتى تقوم هذه المنظمة بأعمالها بشكل فاعل وسريع – وفق ما جاء في مقاصد الأمم المتحدة – جاءت فكرة إنشاء جهاز له صلاحيات واسعة بموجب إنابة من أعضاء الأمم المتحدة وسمي هذا الجهاز مجلس الأمن الدولي ويظهر من تشكل مجلس الأمن أنّه ثمرة انتصار الدول في الحرب العالمية الثانية وأخطر ما ظهر تشكيل لهذا الجلس منح بعض أعضائه صفة العضوية الدائمة مما يعد فرقاً واضحاً لمبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وإن منح الدول دائمة العضوية (الفيتو) أيضاً شكّل عواراً قانونياً خلال ممارسة تلك الدول والتي استخدمت هذا (الحق) دون ضوابط أو معايير واضحة مما يعد تعسفاً لاستخدام هذا الحق.
لذلك جاء البحث لتسليط الضوء على وجوب مراقبة أعمال وقرارات مجلس الأمن وأن تكون الجمعية العامة لها سلطة مباشرة في الرقابة.
مشكلة الدراسة:
يعد مجلس الأمن الدولي الجهاز الرئيس المناب من قبل الجمعية العامة لحفظ السلم والأمن الدوليين، وتوكيله بهذه المهمة الحساسة والصعبة، جاء لما مُنح مجلس الأمن من صلاحيات واسعة وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة، على مجلس الأمن أن يصدر قرارات متوافقة وأحكام الميثاق متسمة بالمشروعة، وتظهر مشكلة الدراسة في مدى إخضاع قرارات مجلس الأمن لرقابة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهل يتضمن ميثاق الأمم المتحدة ما يوجب إخضاع قرارات مجلس الأمن لرقابة الجمعية العامة؟ وما هو الإطار القانوني الذي يمكن اتباعه من قبل الجمعية العامة للرقابة على مشروعية قرارات مجلس الأمن؟
أهمية الدراسة:
تأتي أهمية هذه الدراسة لما يتمتع به مجلس الأمن من صلاحيات واسعة بموجب ميثاق الأمم المتحدة فهو إنْ لم يكن من أهم الأجهزة التابعة للأمم المتحدة، يعد أهم جهاز لدى منظمة الأمم المتحدة، يقع على عاتقه وحده تطبيق أهم المبادئ التي من أجلها تم إنشاء منظمة الأمم المتحدة، ألا وهو مبدأ حفظ السلم والأمن الدوليين.
وتظهر أهمية بحث الرقابة على قرارات مجلس الأمن من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، لما يضطلع به مجلس الأمن من سلطة إصدار قرارات خاصة وفق أحكام الفصل السابع، التي بموجبها منح صلاحيات خطيرة بذات الوقت، وإنّ الاستخدام المخالف للقانون لدى إصدار القرارات من قبل مجلس الأمن، سواء كانت القرارات الإيجابية أو السلبية بالامتناع عن إصدار القرار عندما يكون هناك حاجة لإصدار قرار، ويمتنع مجلس الأمن عن إصدارها، أو لا يتمكن من إصدارها، لأسباب تتعلق بتكوين عضويته، مما يستدعي ضرورة أن تكون هناك جهة رقابية على هذا الجهاز، تراجع أعماله وقراراته ومدى توافق هذه القرارات لقواعد القانون الدولي والتزامها مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والمشروعية الدولية، لذلك يكمن الهدف من هذا البحث للتأكيد على أهمية وضرورة اخضاع قرارات مجلس الأمن الدولي للرقابة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أهداف الدراسة:
تتحقق أهداف الدراسة في معالجة مجموعة من الموضوعات:
-
تسليط الضوء على مشروعية قرارات مجلس الأمن ومدى توافقها مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
-
أهمية قرارات مجلس الأمن وأثرها على السلم والأمن الدوليين وضرورة إخضاعها لرقابة الجمعية العامة للأمم المتحدة.
منهجية الدراسة:
لخصوصية موضوع البحث وأهميته وللإجابة على الإشكالية التي طرحت في هذه الدراسة، تم اتباع المنهج التحليلي من خلال تحليل النصوص القانونية لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية والقرارات التي تصدر عنها والمتعلقة بالموضوع ذي الصلة بالدراسة الحالية وذلك لمناقشة تجاوز مجلس الأمن في قراراته وعدم إخضاعها للرقابة.
ولقد جاءت خطة الدراسة للإحاطة بالموضوع وفق مبحثين، المبحث الأول بعنوان: مشـروعية قرارات مجلس الأمن وأثرها على السلم والأمن الدوليين، والمبحث الثاني: الرقابة على مشروعية قرارات مجلس الأمن.
المبحث الأول: مشـروعية قرارات مجلس الأمن وأثرها على السلم والأمن الدوليين
يعد مجلس الأمن الدولي من أهم أجهزة الأمم المتحدة لما يتمتع به من صلاحيات واسعة في حفظ السلم والأمن الدوليين، ويقوم المجلس بأعماله لتحقيق مهامه الموكلة إليه بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ويكون تنفيذ الأهداف بإصدار القرارات التي تعد الأخطر من حيث الأثر القانوني على أطراف النزاع وعلى مبدأ السلم والأمن الدوليين.
ورغبة في تمكين مجلس الأمن من تحقيق أهدافه التي وجد من أجلها، مُنح الصلاحيات وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة لإصدار القرارات الملزمة وسلطة التدخل في النزاعات الدولية، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع النزاعات الدولية، ولا يتطلب ذلك التدخل قبول الدول المتنازعة أو رضاها وليس لها كذلك الاعتراض أو رفض هذه القرارات.
وسيتم بحث مفهوم مبدأ مشـروعية قرارات مجلس الأمن في المطلب الأول، والمطلب الثاني نخصصه لبحث القيمة القانونية لقرارات مجلس الأمن.
المطلب الأول: مبدأ المشروعية لقرارات مجلس الأمن
الفرع الأول: مفهوم مبدأ المشروعية:
مبدأ المشـروعية مصطلح قانوني يتم التطرق له في الأغلب عندما نتحدث عن القرارات الإدارية، أو الرقابة على أداء الجهاز الإداري (العجارمة، 2022، ص23).
هذا يعني خضوع كافة مرافق الدولة لحكم القانون، وبصورة أخرى أنّ مبدأ المشـروعية هو أنْ تكون القرارات التي تصدر متوافقة وأحكام القانون، وذهب رأي من الفقه لتعريف مبدأ المشـروعية خضوع الإدارة للقانون، أنْ تكون تصـرفات الإدارة مستندة إلى قاعدة قانونية صحيحة وتجهيزها (العجارمة، 2022، ص25) أمّا فيما يتعلق بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن، وبالضرورة أنّ مفهوم المشروعية يعني ضرورة موافقة هذه القرارات للقواعد القانونية، وفي مقدمة تلك القواعد ما يتضمنها ميثاق الأمم المتحدة، فقرارات مجلس الأمن لا يجوز لها مخالفة أحكام الميثاق، ولكن هذا لا يعني أنّ أحكام الميثاق ونصوصه تمثل الأساس القانوني الوحيد لقرارات مجلس الأمن، هناك قواعد قانونية أخرى تشكل أساساً قانونياً لشـرعية قرارات مجلس الأمن (هنداوي، 1994، ص103)، وحتى تكون قراراته مشـروعة ومتسمة بمبدأ المشـروعية لابد أنْ تتوفر في القرارات الصادرة عنه مجموعة شروط، إذا تخلف أحد هذه الشـروط يوصف القرار بالباطل، وتنقسم هذه الشـروط إل قسمين: شروط موضوعية وأخرى شكلية.
أولاً: الشـروط الموضوعية الواجب توفرها في قرارات مجلس الأمن الدولي
الشـروط الموضوعية هي تلك الشـروط التي يتوجب على مجلس الأمن الدولي الأخذ بها ومراعاتها لدى إصداره تلك القرارات باعتبار أنّ سلطة مجلس الأمن ليست مطلقة، وهذه القيود متمثلة بالالتزام في حفظ السلم والأمن الدوليين أن تكون القرارات متسقة مع مبادئ وأهداف الأمم المتحدة.
حتى يكون قرار مجلس مشـروعاً لابد أنْ يتصف بشـروط موضوعية يمكن إجمالها بما يلي:
1. الالتزام بأهداف مجلس الأمن الدولي:
إنّ مجلس الأمن مقيد عندما يقوم بإصدار قراراته بالأهداف التي حددها ميثاق الأمم المتحدة وفق ما جاء في المادة (24) من الميثاق، التي تمنح مجلس الأمن المسؤولية على حفظ السلم والأمن الدوليين وصونهما من أي تجاوز أو تهديد، ومن الضـروري حتى يكون القرار مشـروعاً التزام مجلس الأمن لدى إصدار قراراته بذلك، حتى لا يوسم القرار بعدم المشـروعية ويكون محلا للطعن (أبو العلا، 2005، ص20).
هذا يعني أن السلطات الممنوحة لمجلس الأمن يجب أن تمارس وفق الهدف الرئيس وهو تحقيق مقاصد الأمم المتحدة وإذا قام مجلس الأمن بالعمل متجاوزاً هذه الأهداف والمبادئ التي أنشئت من أجلها الأمم المتحدة يكون خالف نصوص الميثاق (نافعة، 1995، ص22).
وحتى تحوز هذه القرارات على الإلزامية بموجب ما تعهدت به الدول الأعضاء قبول قرارات مجلس الأمن وفق أحكام المادة (25) من الميثاق، يتوجب أن تكون هذه القرارات صادرة وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومنسجمة مع المادة (24/2) "يعمل مجلس الأمن، في أداء هذه الواجبات وفقاً لمقاصد "الأمم المتحدة" ومبادئها والسلطات الخاصة المخوّلة لمجلس الأمن لتمكينه من القيام بهذه الواجبات مبينة في الفصول السادس والسابع والثامن والثاني عشر"
ومن الضـروري أن تكون قرارات مجلس الأمن صادرة ملتزمة بالشـرعية الدولية المنبثقة عن أحكام ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة؛ أمّا إذا شاب تك القرارات مخالفة صريحة أو ضمنية وتجاوز مجلس الأمن اختصاصه، تكون هذه القرارات باطلة أو قابلة للإبطال.
إنّ حياد مجلس الأمن عن أهدافه المحددة له في الميثاق يؤدي إلى إصدار قرارات مشوبة بعيب الانحراف بالسلطة أو ما يعرف إساءة استعمال السلطة؛ هذا ما قررته محكمة العدل الدولية في الفتوى الصادر بتاريخ (20/ تموز سنة (1962) المتعلق في قضية نفقات الأمم المتحدة، حيث قررت المحكمة أنه إذا تم إجراء الإنفاق لتحقيق هدف لا يندرج في إطار أهداف الأمم المتحدة، لا يمكن اعتبار هذا الإنفاق للمنظمة الدولية، وأكدت المحكمة مرّة أخرى على ذات المعنى في موقع آخر من القرار إذ قالت: "إذا اتخذت المنظمة إجراءات لتحقيق الأهداف المتعلقة بالأمم المتحدة، فإنه يفترض عندئذٍ أنّ هذه الإجراءات تتجاوز سلطات المنظمة".
وهنا تظهر الجدلية في العلاقة بين قرارات مجلس الأمن بصفته جهاز يتبع الأمم المتحدة، وبين الأهداف التي يتطلب التقيد بها، وإن اتسام القرار بالشـرعية مرتبط بتحقيق تلك الأهداف من خلال القرارات الصادرة، ويمكن التوصل إلى نتيجة أنّ مجلس الأمن الأولي مقيد في إصدار قراراته بالأهداف التي يلقي بها ميثاق الأمم المتحدة على عاتقه.
2. الالتزام باختصاص مجلس الأمن:
يتوجب على مجلس الأمن أنْ يتقيد بحدود الاختصاصات التي منحت له بموجب أحكام الميثاق والالتزام بهذه الأحكام، وخلاف ذلك إذا تجاوز مجلس الأمن لدى إصداره القرارات اختصاصه، يؤثر هذا على القرار ومشـروعيته مما يجعله قراراً باطلاً أو مشوباً بعيب عدم الاختصاص.
إن أحكام المادة (24/1) من الميثاق التي عهدت إلى مجلس الأمن بضرورة حفظ السلم والأمن الدوليين، وهذا يلزم مجلس الأمن بوجوب العمل على تحقيق هذا الالتزام فيما يصدره من قرارات، أمّا إذا سعى مجلس الأمن من القرارات التي يصدرها لتحقيق أهداف أخرى غير تلك المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين فإنّ هذا يشكل انحرافاً للسلطة، وإذا كانت كذلك توصف القرارات بعدم المشـروعية (هنداوي، 1994، ص96).
وهذا ما أقرّته محكمة العدل الدولية في قرارها الصادر بتاريخ (3/ أذار/ 1950) عندما توجهت الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب رأي محكمة العدل الدولية بموضوع انضمام دولة إلى الأمم المتحدة إذا صدر القرار من الجمعية العامة بشكل منفرد خلافاً لأحكام المادة (4/2) من ميثاق الأمم المتحدة التي يتطلب القبول لدولة عضو أنْ يصدر توصيةً من مجلس الأمن ابتداءاً ومن ثم الجمعية العامة.
وجاء رأي محكمة العدل الدولية بالنّفي حول الفتوى القانونية المطلوبة بوجوب أنْ يصدر مجلس الأمن التوصية بقبول طلب الانضمام، قبل أنْ تبحث الجمعية العامة الموضوع وقد صدر قرار المحكمة بأغلبية اثنى عشـر قاضياً ورفض قاضيان؛ ولابد التأكيد أنّه في حال كان هناك تعارض بين نصوص ميثاق الأمم المتحدة مع أيّة قواعد قانونية أخرى حول مشروعية القرارات الصادرة عن أجهزة منظمة الأمم المتحدة تكون أولوية التطبيق لأحكام ميثاق الأمم المتحدة باعتباره دستور هذه المنظمة.
ولو افترضنا عكس الواقعة أنّ مجلس الأمن قام بإصدار توصية مستوفية كافة الشـروط متعلقة بقبول دولة عضواً في الجمعية العامة، ولم ينتظر قرار الجمعية العامة في هذا المجال وفق ما تتضمنه نص المادة (4/2) من الميثاق، تعد هذه التوصية تجاوز لصلاحيات مجلس الأمن وتوصف بعدم المشروعية كونه تجاوز صلاحياته الممنوحة له (أحمد، 2000، ص164).
3. عدم النظر في المسائل القانونية:
المادة (36) من ميثاق الأمم المتحدة تنظم وجوب توقف مجلس الأمن النظر في أي مسألة متعلقة في نزاع قانوني حيث نصت (على مجلس الأمن وهو يقدم توصياته وفقا لهذه المادة أن يراعي أيضاً أن المنازعات القانونية يجب على أطراف النزاع - بصفة عامة - أن يعرضوها على محكمة العدل الدولية وفقاً لأحكام النظام الأساسي لهذه المحكمة).
إنّ نص المادة واضح وصريح الذي يحد من صلاحيات مجلس الأمن النظر في المسائل القانونية، واذا ما عرضت على مجلس الأمن مسألة متعلقة بنزاع قانوني يقدم مجلس الأمن التوصية لأطراف النزاع بعرض تلك المسألة على محكمة العدل الدولية، وهذه التوصية غير ملزمة، كما هي الحالة التي عرضت على مجلس الأمن متعلقة في (ألبانيا وبريطانيا)، وفق أحكام المادة (36) من نظام محكمة العدل الدولية فإن اللجوء إلى قضائها غير ملزم، لأن الأصل في اختصاص المحكمة هو اختياري وهذا عكس ما قدمته بريطانيا التي كان رأيها أنّ توجيه مجلس الأمن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ملزم (شهاب، 1976، ص250).
ولابد من التأكيد أنّ مجلس الأمن هو صاحب الصلاحية في تحديد طبيعة النزاع المعروض عليه بقرار موضوعي يصدره، وأيضاً يحق له طلب فتوى من محكمة العدل الدولية سنداً لأحكام المادة (96) وبدلالة المادة (65) من نظام محكمة العدل الدولية.
إنّ محكمة العدل الدولية أهتمت بشكل واضح وجلي فيما يتعلق بالتزام أجهزة الأمم المتحدة عامة ومجلس الأمن على وجه الخصوص باختصاصاتها وأهدافها المحددة في ميثاق الأمم المتحدة، وأنّ هذه الأجهزة ليست مطلقة اليد في أن تتصرف كيفما تشاء، وأن تصدر ما تراه من قرارات قد يشوبها البطلان، لابد أن تتقيد تلك الأجهزة بحدود اختصاصها؛ أما القرارات التي تتجاوز الاختصاص تعد غير مشـروعة، ومحكمة العدل الدولية من خلال تصديها فيما يتعلق بتقييد مجلس الأمن بسلطاته في قراراته المتعلقة بالعقوبات، لم يتسنى لها حتى الآن الفصل بذلك، وفي المقابل نجد أنّ محكمة العدل الدولية أصدرت عدد من الآراء الاستشارية المتعلقة بتقييد الجمعية العامة لاختصاصها، أنّ التقييد بالاختصاص هو عام يسـري على جميع أجهزة الأمم المتحدة، ومنها مجلس الأمن الذي يتوجب عليه اللتزام بحدود اختصاصه الممنوح له؛ أمّا تجاوز ذلك يؤدي إلى عدم مشـروعية تلك القرارات، وعلى مجلس الأمن عند إصداره للقرارات أنْ يلتزم بحدود اختصاصه بما ينسجم مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة (هنداوي، 1994، ص 96).
ثانياً: الشروط الشكلية لقرارات مجلس الأمن
ينظر إلى الشـروط الشكلية الواجب أن تتبع لدى إصدار القرارات عنصـراً أساسياً لصحة ومشـروعية هذه القرارات، وأن المس أو تجاوز الإجراءات الشكلية يؤدي بالضـرورة إلى الطعن في شرعية القرارات الصادرة، ومن حق كل ذي مصلحة أن يتمسك بذلك؛ وقد سبق وأن أثارته حكومة جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بالقرار الصادر عن مجلس الأمن الذي يحمل الرقم (284) لسنة (1980)، المتعلق بقضية (ناميبيا) لمخالفته القواعد الشكلية، والذي صدر رغم غياب دولتين دائمتي العضوية، وهذا مخالف لأحكام المادة (27/3) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تتطلب صدور قرارات مجلس الأمن بأغلبية تسعة أعضاء من بينهم موافقة جميع الأعضاء دائمي العضوية (هنداوي، 1997، ص 160).
وأنّ مخالفة القواعد الشكلية التي نظمها ميثاق الأمم المتحدة المتمثلة في:
-
تقدِّم الدولة طلبًا إلى الأمين العام ورسالة تتضمن تصـريحًا رسميًا بأنها تقبل الالتزامات الواردة في الميثاق.
-
ينظر مجلس الأمن في الطلب ويجب أن تحصل أي توصية بقبول الانضمام على أصوات إيجابية لـ (9) أعضاء من أعضاء اﻟﻤﺠلس من أصل (15) عضوًا، بشـرط ألا يصوِّت أي من الأعضاء الدائمين الخمسة - الاتحاد الروسي، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية، والولايات المتحدة الأمريكيـة - ضدّ الطلب.
-
في حال توصية اﻟﻤﺠلس بقبول الانضمام، تقدَّم التوصية إلى الجمعية العامة لتنظر فيها. ويجب الحصول على أغلبية الثلثين في تصويت الجمعية العامة لقبول دولة جديدة.
-
تصبح العضوية نافذة بتاريخ اعتماد قرار القبول.
إنّ الذي يحكم ذلك هو ميثاق الأمم المتحدة الذي نظم الشـروط الشكلية التي يتوجب على مجلس الأمن الالتزام بها عند اصدار القرارات، إن الدفع القانوني التي تقدمت به دولة جنوب أفريقيا على القرار المذكور والذي يحمل الرقم (284) لسنة (1980) بعدم مشروعية قرار مجلس الأمن لمخالفته القواعد الشكلية التي نظمها ميثاق الأمم المتحدة المتمثلة في:
-
ضرورة صدور قرار مجلس الأمن بموافقة تسعة أعضاء من بينهم جميع الأعضاء الدائمين، في حين أنّ القرار المشار إليه صدر رغم غياب دولتين دائمتي العضوية.
-
ضرورة امتناع عضو المجلس عن التصويت إذا كان طرفاً في النزاع المعروض على مجلس الأمن متى كان القرار يجري اتخاذه إعمالاً لنصوص الفصل السادس من الميثاق، إنّ هذا القرار تعرض لنقد شديد من منظمات حقوق الإنسان ومن قبل التحالف الدولي من أجل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وأيضاً الأمين العام في حينه – كوفي عنان – وصف القرار أنّه يقوض سلطة المحكمة ومجلس الأمن (السراج، 2006، ص119).
-
ضرورة دعوة كل عضو من أعضاء الأمم المتحدة لا يتمتع بصفة العضوية في مجلس الأمن، أو لأية دولة ليست عضواً من أعضاء الأمم المتحدة، لا تتمتع بصفة العضوية في مجلس الأمن، أو لأية دولة ليست عضواً في الأمم المتحدة، متى كان أي منها طرفاً في النزاع المعروض على مجلس الأمن، للاشتراك في المناقشة المتعلقة به، دون أن يكون له الحق في التصويت، إنّ محكمة العدل الدولية رفضت هذا الدفع الشكلي معللة ذلك بأنّ العرف الداخلي الذي جرى عليه العمل في مجلس الأمن استقر على إمكانية صدور قراراته رغم تغيب بعض الأعضاء الدائمين؛ وأنّ القواعد الشكلية التي تضبط صدور القرارات من مجلس الأمن، تعد أساساً مهماً وضرورياً لا يمكن أن يتم تجاوزها أو مخالفتها، وإذا ما صدر القرار متجاوزاً لتلك القواعد لا يمكن أنْ يتصف ذلك القرار بالشـرعية القانونية، ومن الواجب التصدي لها والعمل على إبطالها.
المطلب الثاني: القيمة القانونية لقرارات مجلس الأمن
حتى يقوم مجلس الأمن بتحقيق وظيفته المتعلقة في حفظ السلم والأمن الدوليين لابد له من اتخاذ آليات قانونية وإصدار القرارات والتوصيات وفق هذه الآليات، هذا ما سيتم بحثه من آلية إصدار قرارات مجلس الأمن والآثار المترتبة على هذه القرارات
الفرع الأول: آلية إصدار مجلس الأمن للقرارات
بحكم الصلاحية والولاية القانونية التي منحها ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن، من حق إصدار القرارات والتوصيات، وقد مُنحت الدول دائمة العضوية حق الاعتراض، وهناك نوعين من المسائل التي ينظر فيها مجلس الأمن وهي المسائل الموضوعية والإجرائية؛ تصدر القرارات في المسائل الموضوعية بموافقة تسعة أعضاء على أن يكون من بينهم الخمسة الدائمي العضوية، هذا وفق ما جاء في نص المادة (27) من أحكام الميثاق، أمّا في المسائل الإجرائية تصدر القرارات بموافقة تسعة أعضاء بصـرف النظر عن موافقة الأعضاء الدائمين أو اعتراض أحدهم، وفق ما جاء في المواد (27، 31،32) من ميثاق الأمم المتحدة.
وإنّ المتابع لجلسات مجلس الأمن وللقرارات التي تصدر عنه، يظهر له غياب تطبيق العدالة في معالجة الأمور خاصة في ظل تحكم الدول دائمة العضوية بإصدار القرارات، عندما يتم استخدام حق الاعتراض (الفيتو)، إنّ استخدام هذا الحق دون ضوابط قانونية أو معايير واضحة، شكل حماية لدولة "إسرائيل" في الإمعان بقتل وتدمير كل ما يمت للحياة بصلة لدى الشعب الفلسطيني خاصة في قطاع (غزة) خلال الحرب الأخيرة التي شنتها "إسرائيل" بعد أحداث (7/أكتوبر/2023)، وكان ذلك عندما استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية (الفيتو) على مشروع القرار الذي تقدمت به مجموعة من الدول العربية بتاريخ 9/11/2023 عندما استعملت الولايات المتحدة الأمريكية (الفيتو) لمنع صدور قرار بوقف الحرب، ورغم موافقة ثلاثة عشر دولة وامتناع دولة واحدة من الخمسة عشـر دولة، إلّا أنّ استخدام (الفيتو) عطّل صدور القرار، مما يؤكد أنّ إرادة دولة واحدة لها حق (الفيتو) يتفوق على إرادة باقي الدول، هذا العوار القانوني الواضح والذي يوجب التحرك القانوني لإصلاح هذه المؤسسة الدولية حتى تبقى المؤسسة التي تحافظ على السلم والأمن الدوليين قادرة على القيام بواجبها تجاه دول العالم والمنظومة القيمية والعدالة الدولية.
الأمر مختلف في حال غياب أحد الأعضاء الدائمين عن جلسة التصويت، إنّ هذا الأمر هو محل خلاف، ولكن الرأي الغالب إلى اعتبار العضو الغائب مثل الممتنع عن التصويت ولا يكون له أي أثر قانوني في صدور القرار (شهاب، 1993، ص303 وما بعد)، ولا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة أية محاسبة و/أو ملاحقة للعضو الذي يقصـر بواجباته أو يغيب عن جلسات المجلس، وأيضاً غياب أحد الأعضاء الدائمين عن القيام بمهامه بالتصويت لا يرتب أي أثر على استمرار عمل المجلس، مما يتوجب على الجمعية العامة للأمم المتحدة التصدي لهذه المسألة القانونية الهامة والبحث في ضرورة إجراء التعديل على أحكام ميثاق الأمم المتحدة، ولا يبقى الأمر متروكا لمزاج الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ولتبقى هذه المنطمة الدولية التى ارتضت جميع الدول لأن تكون تلك المنظمة الدولية حاضنة الأمم ومسيرة لأعمالها ومنظمة لشؤونها؛ ولا يكون مصيرها كما سالفتها عصبة الأمم التى انقضت لفشلها القيام بواجبها ومنع الحروب والنزاعات الدموية.
الفرع الثاني: الأثر القانوني لقرارات مجلس الأمن
إنّ ميثاق الأمم المتحدة وفق أحكام المادة (25) "يتعهد أعضاء "الأمم المتحدة" بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق"، وحتى لو استخدم عبارة التعهد ولكن جاء في نهاية المادة مصطلح القبول، مما يدل على وجوب الالتزام القانوني من قِبل الأعضاء، وهذا يعني أنّ الميثاق أضفى على قرارات مجلس الأمن صفة الالزام من الناحية القانونية، لما لها من دور وأثر على حفظ السلم والأمن الدوليين (هنداوي، 1994، ص109).
رغم استخدام الميثاق مصطلحات قانونية مختلفة فإنه استخدم مصطلح يطلب، وفي موقع آخر استخدم مصطلح يوصي، ومرة أخرى استخدم مصطلح يقرر، إن الهدف الأساسي من هذه النصوص والعبارات والمصطلحات رغم اختلاف صياغتها يؤشر على شيء واحد وهو حفظ السلم والأمن الدوليين ووجوب المحافظة على هذا المبدأ والتزام الدول به (عباس علي، 1998، ص24).
إنّ عدم الالتزام بالقرارات التي يصدرها مجلس الأمن الموجه إلى جميع الدول، سواء الأعضاء في الأمم المتحدة أو غير الأعضاء يرتب مسؤولية دولية (الأشعل، 1997، ص397) ومن حق الأمن اتخاذ التدابير اللازمة بحق المخالفين لقراراته، إن قرارات مجلس الأمن الدولي ترتب التزامات قانونية بمواجهة الأشخاص الدوليين، ويرتب الإخلال بها مسؤولية دولية من قبل الذين يتجاهلونها، سواء صدر القرار باستخدام لفظ قرار أو توصية ليس لذك أيّ أثر قانوني على وجوب الالتزام بالقرار ؛ وإنّ التفرقة بين ما يصدر عن مجلس الأمن باعتباره قرار أو توصية وفقاً لأحكام الفصل السابع من الميثاق، لأنه لا يمكن اعتبار أنّ التوصيات أقل قيمة من القرارات في الأثر القانوني، على ضوء أن كلاهما يرتب التزام على من يخالفه وفقاً لنص المادة (41) و (42) من الميثاق وأنّ القرار أو التوصية الصادر لغاية تحقيق السلم والأمن الدوليين يعتبران مصدر التزام قانوني، وأنّ أساس هذا الالتزام هو نص القانون الذي استند إليه القرار أو التوصية (سامي، 1997، ص119)، رغم أنّ بعض فقهاء القانون اعتبروا أنّ التوصيات لها قوة أدبية تجاه الدول.
المبحث الثاني: الرقابة على مشروعية قرارات مجلس الأمن
إنّ من مهام وصلاحيات مجلس الأمن إصدار القرارات والتوصيات لحفظ السلم والأمن الدوليين وفقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة بموجب الفصل السادس والسابع؛ حتى تتمتع هذه القرارات بالمشروعية، لابد أن تصدر وفق لما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة من سلطات لمجلس الأمن وحتى تبسط الجهات التي من مهامها مراقبة هذه القرارات لابد أن تتسم القرارات والتوصيات بالمعايير الدولية لإصدارها، وهذا ما سيتم مناقشته من خلال الرقابة القضائية في المطلب الأول، ورقابة الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروعية القرارات التي يصدرها مجلس الأمن في المطلب الثاني.
المطلب الأول: الرقابة القضائية على قرارات مجلس الأمن من خلال محكمة العدل الدولية
فيما تقدم تم البحث في الشـروط الواجب على مجلس الأمن الالتزام بها عند إصداره للقرارات، سواء الشروط الموضوعية أو الشكلية، سنتطرق في هذا المطلب إلى جهات الرقابة على مجلس الأمن، ومدى تقييد مجلس الأمن بهذه الشـروط والمعايير القانونية، رغم أنّ ميثاق الأمم المتحدة لم يتطرق بشكل مباشر إلى جهات الرقابة وإن كانت محكمة العدل الدولية بصفتها أحد أجهزة الأمم المتحدة الجهة القضائية التي يمكن أن تكون هي صاحبة الاختصاص في الرقابة على قرارات مجلس الأمن، إلّا أنّنا نرى أنّ هناك جهاز آخر من أجهزة الأمم المتحدة لا يقل أهمية عن محكمة العدل الدولية، يمكن أن يكون له رقابة بشكل مباشر على قرارات مجلس الأمن، وهذا الجهاز هو الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أولاً: علاقة مجلس الأمن بمحكمة العدل الدولية
بالرجوع إلى أحكام ميثاق الأمم المتحدة المادة (36) والتي جاء نصها على ما يلي:
-
لمجلس الأمن في أية مرحلة من مراحل نزاع من النوع المشار إليه في المادة 33 أو موقف شبيه به أن يوصي بما يراه ملائماً من الإجراءات وطرق التسوية.
-
على مجلس الأمن أن يراعي ما اتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع القائم بينهم.
-
على مجلس الأمن وهو يقدم توصياته وفقا لهذه المادة أن يراعي أيضاً أن المنازعات القانونية يجب على أطراف النزاع - بصفة عامة - أن يعرضوها على محكمة العدل الدولية وفقاً لأحكام النظام الأساسي لهذه المحكمة.
جاء النص واضحاً أن العلاقة بين مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية من خلال الفقرة الثالثة من المادة آنفة الذكر هي علاقة تكاملية ولا يوجد تبعية لأياً منها لآخر أو سلطة لأحد على الآخر، واعتبرت أنّه إذا ظهر لمجلس أن النزاع قانوني يتوجب على مجلس الأمن التوقف عن نظر هذه المسألة ويطلب من أطراف النزاع إحالة الأمر إلى محكمة العدل الدولية؛ هذه العلاقة الإيجابية بين المحكمة ومجلس الأمن تظهر بمراعات مجلس الأمن من تلقاء نفسه ذلك والطلب من الأطراف إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائى صاحب الاختصاص بموجب أحكام المادة (92) من الميثاق، التي اعتبرت أن محكمة العدل الدولية الأداة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة وهي محكمة دولية دائمة من أجهزة الأمم المتحدة المنصوص عليها في الميثاق.
كذلك اعتبر ميثاق الأمم المتحدة جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أطرافاً من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية بموجب المادة (93/1) (يعتبر جميع أعضاء "الأمم المتحدة" بحكم عضويتهم أطرافاً في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية).
وتتضح العلاقة الإيجابية أكثر بين مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية من خلال ما جاء في المادة (96/1) (لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن أن يطلب إلى محكمة العدل الدولية إفتاءه في أية مسألة قانونية).
إن ميثاق الأمم المتحدة هو من نظم العلاقة بين مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية واعتبر المحكمة هي صاحبة الاختصاص والشأن في نظر مسائل قانونية تنشأ بين أطراف نزاع ما، وهذا يظهر أهمية هذه المحكمة والتأكيد من قبل الميثاق على ضرورة أنْ يكون لهذه المحكمة دور بارز في نظر المسائل التي تنشأ بين الدول.
ثانياً: رقابة محكمة العدل الدولية على قرارات مجلس الأمن الدولي
لقد أثيرت مسألة رقابة محكمة العدل الدولية على قرارات مجلس الأمن منذ وقت وكان هناك عدة آراء فقهية حول هذا الموضوع (أبو العلا، 2005، ص103).
-
الرأي الأول: رفض رقابة محكمة العدل الدولية على قرارات مجلس الأمن بحجة عدم تعطيل أو التأثير على أعمال مجلس الأمن ومن أنصار هذا الرأي يرون أنّ قرارات مجلس الأمن ملزمة، حتى لو تعارضت مع قواعد القانون الدولي (حسونة، 2011، ص553).
-
الرأي الثاني: يرى أنّ قرارات مجلس الأمن يجب أن تخضع لرقابة محكمة العدل الدولية، لأنّ المحكمة صاحبة الاختصاص وهي مؤهلة لبسط رقابتها، وأنصار هذا الرأي يرون أنّ من حق محكمة العدل الدولية فرض رقابتها على قرارات مجلس الأمن والتحقق من مشـروعية هذه القرارات، ولها أن تصدر قرار إلغاء قرارات مجلس الأمن التي تكون مشوبة بعدم المشروعية.
-
الرأي الثالث: يرى هذا التوجه أنّه بموجب أحكام ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي للمحكمة لا يمكنها أن تكون محكمة العدل الدولية محكمة دستورية أو إدارية عليا تنظر في الطعون التي تقدم ضد قرارات مجلس الأمن.
وقد أصدرت محكمة العدل الدولية العديد من القرارات التي تؤكد على مبدأ فرض رقابتها على القرارات التي تصدر من مجلس الأمن ومن هذه الصور، وعندما تم بحث قضية الإبادة الجماعية في البوسنة والهرسك، وقضية تيمور الشـرقية (حساني، 2015، ص317)، وكانت القضية الأولى المتعلقة في الإبادة الجماعية ضد يوغسلافيا، بشأن القتل الجماعي وتدمير القرى، وجرائم الإعدام والتعذيب، التي قامت بها ضد شعب البوسنة والهرسك (الهزايمة، 2008، ص230)، ونشأت القضية عندما تقدمت البوسنة والهرسك بدعواها ضد يوغسلافيا بموجب المادة (41) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية التي تنص على: (1. يكون للمحكمة سلطة أن تبين، إذا رأت أنّ الظروف تتطلب ذلك، أي تدابير مؤقتة ينبغي اتخاذها للحفاظ على الحقوق الخاصة بأي من الطرفيـن.2. ريثما يتم اتخاذ القرار النهائي، يجب على الفور إبلاغ الأطراف ومجلس الأمن بالتدابير المقترحة.) بتاريخ 22 مارس 1993 طالبت فيها محكمة العدل الدولية منع يوغسلافيا من ممارسة الأفعال العسكرية ووقف أعمال الإبادة الجماعية (حساني،2015، ص2017) .
أشارت المحكمة لدى نظرها النزاع إلى أنّ قرار مجلس الأمن لا يمنعها من البحث في مشـروعيته أو تفسيره، عندما أكد القضاة على دور المحكمة في إبداء رأيها بشأن التدابير الوقائية، وقد أقرت المحكمة هذا المبدأ (حساني، 2015، ص318) ، هذا أحد مظاهر الرقابة القضائية لمحكمة العدل الدولية على قرارات مجلس الأمن.
وكذلك الأمر بالنسبة للقضية الثانية (تيمور الشـرقية)، على الرغم أنّ محكمة العدل الدولية لم تشير صراحة إلى انعقاد اختصاصها في الرقابة على قرارات مجلس الأمن، إلّا أنّ الهيئة القضائية للمحكمة قضاة اتفقوا على انعقاد الاختصاص لمحكمة العدل الدولية في فحص مشروعية القرارات الصادرة عن الأجهزة التابعة للأمم المتحدة، بما فيها قرارات مجلس الأمن التي تصدر بموجب الفصل السابع من الميثاق ومدى مشروعية هذه القرارات (حساني،2015، ص320).
وخلاصة الأمر أنّ محكمة العدل الدولية بموجب نظامها الأساسي وباختصاصها الاستشاري يمكنها بسط نوعاً من الرقابة القضائي على قرارات مجلس الأمن وتصدر رأيها الاستشاري عندما يتم عرض أية قضية عليها وتقدم فتواها التي تعبر من خلاله المحكمة عن رأيها القانوني حول مدى مشـروعية القرارات وعادة ما تكون هذه الرقابة سابقة على إصدار قرار مجلس الأمن وهذا يظهر أيضاً وجه الرقابة القضائية على قرارات مجلس الأمن وهذه الرقابة تنعقد من طرف محايد يمتلك المكنة القانونية والتأهيل الكافي من خلال قضائه للقيام بهذه المهمة، في ظل أنّ محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة.
المطلب الثاني: رقابة الجمعية العامة والأمانة العامة على قرارات مجلس الأمن
تتكون الجمعية العامة من جميع أعضاء ألأمم المتحدة، وهي تمثل غرفة المداولات للأمم المتحدة، ولها حق مناقشة أية مسألة أو أمر يدخل ضمن ميثاق الأمم ألمتحدة أو له علاقة بسلطات أي فرع من فروعها ووظائفها، ولها أن توصي أعضاء اختصاص وسلطات وصلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة نظمت من خلال ميثاق الأمم المتحدة، ومن حقها أن توصي أعضاء الهيئة أو مجلس الأمن أو كليهما بما تراه مناسباً في تلك المسائل والأمور وفق أحكام المادة (10) (هيف،....، ص619) وباعتبار الجمعية العامة أحد أجهزة الأمم المتحدة، وفق أحكام المواد (15 – 19) من الميثاق، يتضح اختصاص الجمعية العامة النظر في أية مسألة من المسائل التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة ومن ضمنها هذه الصلاحيات مراجعة ومتابعة القرارات التي يصدرها مجلس الأمن (حمدود، 2017، ص18).
خاصة القرارات التي تصدر بموجب الفصل السابع، ومن ضمن هذه الأعمال رقابة الجمعية العامة التى يتوجب أن تكون على أعمال مجلس الأمن هذا ما سيتم بحثه وهو دور الجمعية العامة في الرقابة على قرارت مجلس الأمن وفق الآتي:
الفرع الأول: علاقة الجمعية العامة والأمانة العامة مع مجلس الأمن الدولي
أولاً: الجمعية العامة ومجلس الأمن
رغبة أن يكون عمل الأمم المتحدة سريعاً وفعالاً، يعهد إلى مجلس الأمن بالتبعات الرئيسة في حفظ السلم والأمن الدوليين، ويعمل نائبا عنهم، لذلك نشأت العلاقة بين الجمعية العامة ومجلس الأمن تقوم على التعاون واستقلال كل جهاز عن الآخر وليس تبعية أحد لآخر (أبو الوفا، 1986، ص236).
ولكل جهاز اختصاصه الذي يمارسة بموجب أحكام ميثاق الأمم المتحدة؛ وهذه العلاقة قائمة على التكامل والتوازن فيما بينهما (الرقاق، 1993، ص127).
رغم أنّ العلاقة بصفة عامة بين الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة هي علاقة توازن في أساسها، واستقلال كل جهاز عن الآخر من حيث الوظيفة والمهام، وكذلك توصف العلاقة فيما بين الجمعية العامة ومجلس الأمن بعلاقة تدرج وتكامل، بعيداً عن التنافس وفق أحكام الميثاق المواد (10، 11) (سيف الدين، 2012، ص65).
إنّ وجود العلاقة القانونية المنظمة وفق أحكام الميثاق بين الجمعية العامة ومجلس الأمن لا يعني ذلك المساواة بينهما من حيث المراكز القانونية، ويظهر هذا الفرق الجوهري من حيث الطبيعة القانونية لكل منهما، لأن لدى مجلس الأمن سلطة إصدار القرارات الملزمة، أمّا الجمعية العامة فإنّ ما تصدره من توصياتها غير ملزمة، وهذا لا يؤثر على علاقة التكامل في العمل والمهام التي يقوم بها كل جهاز في تناوله للمسائل المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين.
وتتألف الجمعية العامة وفق أحكام المادة (9/1) من جميع أعضاء الأمم المتحدة، ويتساوى جميع الأعضاء عند التصويت لاتخاذ القرارات، ولها اجتماع عادي مرة واحدة على الأقل في السنة، ويمكنها عقد اجتماعات غير عادية وفق أحكام المادة (20)
وتصدر القرارات فيها بأغلبية الأصوات ولكنه في بعض القرارات يحتاج الأمر إلى أصوات ثلثي الأعضاء وفق أحكام المادة (18/2)، وللجمعية العامة إصدار التوصيات والقرارات، ولكن ما يعيب هذا الأمر أنّ الجمعية العامة لا تملك إصدار قرارات ملزمة فالتوصيات غير ملزمة لأي دولة من الدول الأعضاء، وقرارات الجمعية العامة ليست لها الصفة الآمرة إلّا على فروع الأمم المتحدة التى تتعلق بالأعمال الداخلية لهذه الأجهزة، وهذا هو العوار التشـريعي بعينه وكأنّ واضعي ميثاق الأمم المتحدة عندما شرعوا في صياغة أحكامه كانوا تحت نشوة الانتصار الذي حققوه في الحرب العالمية الثانية وانعكس ذلك بشكل واضح على صياغة بنود الميثاق والذي تم من خلاله إحكام سيطرة المنتصـر في الحرب.
ثانياً : الأمانة العامة ومجلس الأمن
إنّ الأمانة بصفتها أحد أجهزة الأمم المتحدة بموجب نظامها الذي حدد الأجهزة الرئيسية لهذه المنظمة الدولية ومن ضمنها الأمانة العامة وفق أحكام الفصل الثالث المادة (7/1)، هذا الجهاز باعتباره جهة إدارية مهمتها الإشراف على تسيير أعمال الأمم المتحدة، وهذه الأمانة العامة بموجب الفصل العاشر من الميثاق المادة (47) تتكون الأمانة العامة من الأمين العام بصفته الإداري الأكبر في الأمم المتحدة.
إنّ دور الأمانة العامة من خلال أمينها العام كبير جداً وبالغ الأهمية وقد بينت المادة (99) من الميثاق العلاقة فيما بين الأمين العام ومجلس الأمن: "للأمين العام أن ينبه مجلس الأمن إلى أية مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين"؛ ومن خلال ما جاء في هذا النص يتضح أنّ الأمين العام يتمتع بصلاحية إخطار مجلس الأمن في حالة وجود خطر يمس السلم والأمن الدوليين (محي الدين، 2013، ص68).
وإنّ الأمين العام للأمم المتحدة استعمل هذا الحق في أكثر من مسألة وأمر عندما وجد أنّ هناك أعمال تحدث تهدد السلم والأمن الدوليين، وكان للأمين العام موقف واضحٌ عندما استعمل حقه في تنبيه مجلس الأمن مما تقوم به "إسرائيل" من جرائم وصفت بالأشر وأنه ليس لها سابق أو قبل بحق الشعب الفلسطيني وخاصة في "قطاع غزة" بعد أحداث السابع من أكتوبر من عام 2023 وقام الأمين العام بموجب صلاحياته وسلطاته وفق أحكام المادة (99) ووجه خطاباً لمجلس الأمن ينبهه إلى ما تقوم به "إسرائيل" تهدد السلم والأمن الدوليين.
في (8/كانون الثاني من العام 2023) قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة مشـروع قرار بشأن التصعيد في "غزة" من قبل "إسرائيل" ولم يتمكن مجلس الأمن من اعتماد مشروع القرار بسبب استخدام الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض (الفيتو) علماً أنّ مشروع القرار تم تأكيده من (13) دولة من أعضاء مجلس الأمن، وامتناع دولة واحدة هي المملكة المتحدة عن التصويت.
الفرع الثاني: الأساس القانوني لرقابة الجمعية العامة على قرارات مجلس الأمن
أولاً: أحكام ميثاق الأمم المتحدة
بالرجوع إلى أحكام المادة (7/1) من ميثاق الأمم المتحدة يظهر أنّ الجمعية العامة تتمتع بمركز قانوني يسمو على باقي أجهزة الأمم المتحدة بما فيها مجلس الأمن الدولي، فهو بمثابة السلطة التشريعية وتضم جميع الدول الأعضاء بما فيهم أعضاء مجلس الأمن (الجهاني، 2008، ص287، 289)؛ وبذلك فهي تعبر عن إرادة المجتمع الدولي، وكذلك أنّ الجمعية العامة من صميم صلاحياتها مناقشة أي مسألة تتعلق بأجهزة الأمم المتحدة بما فيها جهاز مجلس الأمن، فهي الجمعية العامة تتمتع باختصاص شامل، مع مراعاة أحكام المادة (12) من ميثاق الأمم المتحدة (درباش، 2013، ص467)، وإنّ من دواعي وجوب فرض الجمعية العامة رقابتها على ما يصدره مجلس الأمن من قرارات، أنّ الجمعية العامة لها صلاحية النظر في أية مسألة تدخل في الميثاق، مع مراعاة أن ما يصدر عنها من توصيات وهذا ما يقيد سلطتها في بسط رقابتها على مجلس الأمن.
إنّ الجمعية العامة تقدم التوصيات لأعضاء الأمم المتحدة وفق ما تراه مناسباً حول المسألة المعروضة، وذلك مقيد أن تصدر تلك التوصيات بناءاً على طلب مجلس الأمن (سعدالله، 2008، ص86).
وهذا يظهر مجلس الأمن وكأنه صاحب السلطة المطلقة فيما يصدر عنه دون أي رقيب أو مراجعة من أحد، وأن الطبيعة القانونية لهذه التوصيات غير ملزمة إذا تعلق الأمر بأحد الدول الأعضاء أو أحد أجهزة الأمم المتحدة وإنّما تتمتع هذه التوصيات بالقيمة الأخلاقية والمعنوية (سعادي، 2008، ص96).
لهذا فإنّ ما يصدر عن الجمعية العامة ليس له الأثر القانوني الفاعل، وكان الأجدر في واضعي الميثاق أن يعملوا على زيادة سلطة الجمعية العامة، وجعل قراراتها ملزمة وأن مخالفة أو تعطيل إنفاذها يوجب المسؤولية الدولية والعقوبة الرادعة؛ ولكن الميثاق خلى من ذلك، وهذا ما يدعوا الباحثين والمختصين إلى تكرار المطالبة بضـرورة إجراء تعديلات جوهرية على أحكام الميثاق بما يؤكد قوة قراراتها وأثرها القانوني على المستوى الدولي، ومن مظاهر الرقابة أيضاً ما يطلق عليه الوظيفة التشـريعية أو الدستورية للجمعية العامة، ويظهر ذلك عند قيامها انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين (عمار، 2003، ص98).
وأيضاً إنّ ما يظهر أهمية الجمعية العامة ورقابتها كأحد أهم أجهزة الأمم المتحدة هو استقبالها للتقارير من باقي الأجهزة الأخرى وفق أحكام المادة (15) وأنّ مجلس الأمن ملزم أنْ يقدم تقرير سنوي للجمعية العامة يتضمن الأعمال التي قام بها (الجهاني، 2008، ص289).
وعكس ذلك فإنّ الميثاق لا يلزم الجمعية العامة تقديم تقارير إلى الأجهزة الأخرى بما فيها مجلس الأمن، وهذا أحد مظاهر سلطة الجمعية العامة على باقي الأجهزة أيضاً.
ثانياً: طبيعة الرقابة القانونية
نصوص المواد (15، 23، 24) من ميثاق الأمم المتحدة منحت الجمعية العامة صلاحية متابعة قرارات مجلس الأمن التي يصدرها بموجب الفصل السابع، وللجمعية العامة أن تقوم بتقييم أعمال مجلس الأمن (حساني، 2015، ص390).
وفي ذلك إشارة لمحكمة العدل الدولية أنّ الجمعية العامة تستمد الشـرعية القانونية من ميثاق الأمم المتحدة في ممارسة اختصاص مراجعة قرارات مجلس الأمن بموجب المادة (15) من أحكام الميثاق (الربيعي،2001، ص210).
إنّ بسط الجمعية العامة لرقابتها على أعمال وقرارات مجلس الأمن يزيد من استقرار وحوكمة ومصداقية قرارات مجلس الأمن، وأنّ مجلس الأمن سيعمل بكل جد على مراعاة مصلحة المجتمع الدولي وحفظ السلم والأمن الدوليين لدى قيامه بأعماله واتخاذ أي قرار بعيداً عن المصالح الآنية للدول دائمة العضوية وبعيداً عن المناكفة السياسية بيد تلك الدول.
إنّ تفعيل رقابة الجمعية العامة على أعمال وقرارات مجلس الأمن تقوم على أساس قانوني واضح وصريح وهو الإنابة التى منحت للمجلس من الجمعية العامة بموجب أحكام المادة (24) (... ويوافقون على أنّ هذا المجلس يعمل نائباً عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعات)؛ وباعتبار أنّ الجمعية العامة تضم كافة الدول الأعضاء بما فيها أعضاء مجلس الأمن الدولي الذي يقوم بأعماله لحفظ السلم والأمن الدوليين باعتباره نائباً عن الدول الأعضاء وهذا يمنح الدول الأعضاء الرقابة على المجلس الذي منحوه الإنابة القانونية عنهم (العزاوي، 2014، ص200).
ومن مظاهر سلطة الجمعية العامة أنّ ميثاق الأمم المتحدة وفق لأحكام الفقرة الثانية من المادة (35) منحها سلطة مناقشة أي مسألة تكون لها صلة بحفظ السلم والأمن الدوليين يتم طرحها من أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة.
ويلخص الباحث أنّ أهم المظاهر التي تبين رقابة الجمعية العامة كجهاز رئيسـي من أجهزة الأمم المتحدة تتجلى وفق أحكام الميثاق أنّ الجمعية العامة للأمم المتحدة لها مركز قانوني يفوق جميع الأجهزة الأخرى التابعة للأمم المتحدة بما فيها مجلس الأمن للاعتبارات التالية:
-
أنّ المادة (15) من الميثاق ألزمت جميع الأجهزة التابعة للأمم المتحدة وجوب إرسال تقاريرها إلى الجمعية العامة ولم تلزم الجمعية إرسال تقريرها لأي جهاز.
-
المادة (17) من الميثاق منح الجمعية العامة صلاحية النظر في ميزانية المنظمة الدولية والتصديق عليها، وهذا الإجراء يمثل رقابة وإشراف الجمعية العامة على أجهزة الأمم المتحدة.
-
منحت المادة (23) من الميثاق الجمعية العامة حق انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الأمن الدولي غير الدائمين، وهذا أيضاً يشكل نوع من السمو والرقابة على باقي الأجهزة الأخرى.
-
ولابد أنّ الرأي المخالف الذي توصل إليه الباحث من وجود مظاهر عامة لرقابة الجمعية العامة على جميع أجهزة الأمم المتحدة بوصف هذه الجمعية تمثل برلمان الدول وله أنْ يناقش أية مسألة تهم مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأهمها المحافظة على مبدأ السلم والأمن الدوليين، وكذلك لهذه الجمعية بسمو مركزها القانوني أن تسأل وتراجع جميع أعمال المؤسسات الأخرى بما فيها مجلس الأمن، ويرى آخرون أنّ نصوص الميثاق في أوسع تفسير لها لا يرتقي ما تضفيه من سمو ورقابة على باقي الأجهزة حتى مجلس الأمن إلا سمواً شكلياً لا يمنح الجمعية العامة مركزاً قانونياً للمراقبة والإشراف على قرارات مجلس الأمن الدولي وليس لها أنْ تعدل أو تلغي أي قرار، وأنّ ما يصدر من قرارات عن الجمعية العامة من حيث المبدأ تُعد توصيات غير ملزمة.
الخاتمة:
خلصت هذه الدراسة أنّ ميثاق الأمم المتحدة منح مجلس الأمن مركزاً قانونياً متقدماً على سائر باقي أجهزته الأخرى، وأنّ هذا الجهاز عهد إليه المحافظة على أهم مبادئ الأمم المتحدة وهو مبدأ السلم والأمن الدوليين، على مجلس الأمن عند قيامه بممارسة أعماله أن يراعي المشـروعية الدولية في قراراته، وأنّ هذه القرارات يجب أنْ تخضع للرقابة للتأكد من عدم مخالفتها ميثاق الأمم المتحدة أو تجاوزها حدود المشـروعية مما يعرضها إلى الطعن والإلغاء أو البطلان، وأنّ ممارسات بعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التى تظهر الاستخدام غير المبرر والمتكرر(للفيتو) يحتم أنْ يكون هناك رقابة على استخدام هؤلاء الأعضاء (الفيتو) ولابد أن يكون استخدام (الفيتو) وفق معايير وضوابط قانونية واضحة وأنْ لا يكون ذلك مطلقاً دون رقابة، وأن تكون جهات الرقابة متعددة على قرارات مجلس الأمن منها الرقابة القضائية من خلال محكمة العدل الدولية وأيضاً يجب أن يكون هناك رقابة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لما تتمتع به هذه الجمعية من مركز قانون يؤهلها أن تراجع وتراقب أعمال وقرارات مجلس الأمن، إلا أن هذه الرقابة وضعفها أو عدم بسطها بشكل واضح بسبب عدم وجود النصوص القانونية الواضحة ذات الدلالة القاطعة في ميثاق الأمم المتحدة الذي يجب أن يمنح الجمعية العامة بموجب نصوصه حق الرقابة الكاملة على أعمال مجلس الأمن وقراراته. وأنّ العمل على إصلاح مجلس الأمن أصبح ضرورة ملحة للمحافظة على مبدأ السلم والأمن الدوليين والحد من النزاعات والحروب، ويمكن ذلك أن يتم بوجوبه مساءلة أي عضو يستخدم (الفيتو) ودعوته المثول أمام الجمعية العامة وتوضيح هذا الأمر تحت طائلة إلغاء هذا (الفيتو) إذا كان غير مبرر وغير مقنع لأعضاء الجمعية العامة بما لا يقل عن الثلثين الحاضرين.
النتائج:
-
قيد ميثاق الأمم المتحدة سلطات وصلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولم يمنحها سلطة الرقابة المباشرة على أعمال وقرارات مجلس الأمن رغم أمية موقعها الهرمي على رأس أجهزة الأمم المتحدة والتي كان من المفترض أنّها تشكل السلطة التشـريعية للدول الأعضاء، وأنّ تقليص صلاحياتها رغم منحها سلطة الرقابة المباشرة يحد من دورها في المحافظة على السلم والأمن الدوليين وهذا يشكل خطراً كبيراً على البشرية جمعاء.
-
إنّ وجود مجلس الأمن بحد ذاته ضمن أجهزة الأمم المتحدة وتفرده بسلطات وصلاحيات واسعة يشكل مساساً مباشراً وتجاوزاً على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، رغم أنّ أحكام الميثاق في مجملها تتحدث عن حق الدول بهذا المبدأ، ولكن تأسيس مجلس الأمن قلص من حق الدول في المشاركة بشكل فاعل للحد من توسع النزاعات والحروب.
-
لقد خلى ميثاق الأمم المتحدة من أي معيار أو ضابط قانوني لاستخدام (الفيتو) من قبل الأعضاء الدائمين وهذا يعد قصوراً تشريعياً أصبح من الواجب على الجمعية العامة البحث في تعديل أحكام الميثاق للحد من استخدام (الفيتو) والاستماع لأصوات الفقهاء والخبراء القانونيين بوجوب إمّا شطب هذا الجهاز أو تعديل الميثاق بما يحقق إعادة الاعتبار للمركز القانوني لمبدأ المساواة بين الدول والحد من تغول وتفرد الدول دائمة العضوية بالقرارات المهمة ذات التأثير الكبير على الشعوب.
-
إنّ إخضاع قرارات مجلس الأمن لرقابة الجمعية العامة أصبح ضرورة تفرضها مصلحة الاستقرار العالمي ومنع التفرد من قبل أحد أجهزة الأمم المتحدة بالقرارات الأممية.
-
من الواضح أنّ تفعيل رقابة الجمعية العامة يواجه تحديات وصعوبات منها تشريعية وأخرى قانونية لابد أن تعمل الدول ما يتوجب ويلزم لتذليل هذه المعوقات.
-
العمل على تعديل نص المادة (108) من الفصل الثامن لأحكام الميثاق المتعلقة بتعديل أحكام الميثاق، ليكون التعدل فقط من حق أعضاء الجمعية العامة وإلغاء شرط موافقة جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين على التعديل حتى يكون نافذاً.
التوصيات:
إن الباحث وبعد ما قدمه من بحث تطرق فيه لرقابة الجمعية العامة للأمم المتحدة على أعمال وقرارات مجلس الأمن، سيقتصـر توصياته بما يتعلق بالجمعية العامة وهي:
-
ضرورة منح الجمعية العامة للأمم المتحدة بوضعها جهاز ذو مركز قانوني رفيع، الرقابة على قرارات وأعمال مجلس الأمن.
-
يتوجب أنْ تكون قرارات مجلس الأمن خاضعة لرقابة الجمعية العامة خاصة القرارات التي تصدر بموجب الفصل السادس والسابع لما ينطوي عليها من خطر على جميع الدول.
-
السعي الحثيث لتعديل نصوص ميثاق الأمم المتحدة بما يوضح رقابة الجمعية العامة على قرارات وأعمال مجلس الأمن بشكل واضح وجلي يمنح الجمعية العامة كامل الرقابة والسلطة بما لها من مركز قانوني على جميع الأعضاء.
-
العمل القانوني لتعديل نصوص ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بصلاحية مجلس الأمن والحد منها ووضع معايير واضحة بضبط استخدام حق (الفيتو) من الأعضاء الدائمين، وتفعيل آليات الرقابة من قبل جميع الأجهزة وفي مقدمتها رقابة الجمعية العامة للأمم المتحدة.
-
العمل على تقليص صلاحيات مجلس الأمن خاصة فيما يتعلق بصلاحية الأعضاء الدائمين، وزيادة الأعضاء الدائمين بما يحقق التوازن الأممي للقارات جميعها ويحد من تحكم خمسة أعضاء بالمنظمة الأممية التي يسعى العالم أجمع على استمرارها بفاعلية لحفظ السلم والأمن الدوليين.
المصادر والمراجع:
-
الهنداوي، حسام. (1994). حدود سلطات مجلس الأمن في ضوء قواعد النّظام العالمي الجديد. دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، جمهورية مصر العربية.
-
بو العلا، أحمد. (2008). تطور دور مجلس الأمن في حفظ السلام والأمن الدوليين، دار الجامعة الجديدة، ص52.
-
نافعة، حس. (1995). الأمم المتحدة في نصف قرن: دراسة في التنظيم الدولي منذ 1945. سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص22.
-
حسونة، رمزي. (2011). مشروعية القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي وآلية الرقابة عليها. مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، 27(1)، ص552.
-
حساني، خالد. (2015). سلطات مجلس الأمن في تطبيق الفصل السابع بين أحكام الميثاق والممارسات الدولية المعاصرة. منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.
-
حساني، خالد. (2015). سلطات مجلس الأمن في تطبيق الفصل السابع بين أحكام الميثاق والممارسات الدولية المعاصرة. منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.
-
سيف الدين، احمد. (2012). مجلس الامن ودوره في حماية السلام الدولي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.
-
الجهاني، ناصر. (2008). دور مجلس الأمن في تسوية المنازعات الدولية، مجلس الثقافة العام.
-
سعادي، محمد. (2008). قانون المنظمات الدولية: منظمة الأمم المتحدة نموذجاً. دار الخلدوينة.
-
حساني، خالد. (2015). سلطات مجلس الأمن في تطبيق الفصل السابع بين أحكام الميثاق والممارسات الدولية المعاصرة. منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.
-
العزاوي، لمى عبد الباقي. (2014). الوسائل القانونية لإصلاح مجلس الأمن. منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.




![X icon [Converted]-01](https://static.wixstatic.com/media/1f6d95_737d6653aee64b8ca119f281d67299f7~mv2.png/v1/fill/w_23,h_23,al_c,q_85,usm_0.66_1.00_0.01,enc_avif,quality_auto/1f6d95_737d6653aee64b8ca119f281d67299f7~mv2.png)


