top of page

المحور الإيراني وانتقام الجغرافيا حين تعيد حرب 2026 إنتاج منطق القوة

محمد رسول الزعبي

باحث في الاقتصـاد السياسـي الـدولـي وتحولات النظام العالمي

7/4/2026

pdf (2).png

في لحظة تاريخية تتكثف فيها التحولات الدولية، تكشف الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الجارية عام 2026 عن حقيقة طالما حاولت العولمة إخفاءها: الجغرافيا لم تختفِ، بل كانت تنتظر لحظة العودة.

في لحظة تاريخية تتكثف فيها التحولات الدولية، تكشف الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الجارية عام 2026 عن حقيقة طالما حاولت العولمة إخفاءها: الجغرافيا لم تختفِ، بل كانت تنتظر لحظة العودة. فبينما انشغلت النخب السياسية لعقود بخطابات التكنولوجيا، والأسواق المفتوحة، وتآكل الحدود، بقيت الخريطة ثابتة في مكانها، تراقب بصمت، حتى وجدت في هذه الحرب الفرصة لتفرض منطقها من جديد. ومن هنا، لا يمكن فهم ما يجري اليوم بوصفه مجرد صراع عسكري أو مواجهة سياسية، بل هو قبل كل شيء تجلٍّ حي لما طرحه روبرت كابلان في أطروحته حول "انتقام الجغرافيا"، حيث تعود التضاريس والممرات والعمق المكاني لتحدد مسار الأحداث، وتعيد ترتيب أولويات القوة.  

وصفت هذه الحرب في كثير من التحليلات بأنها مواجهة بين تكنولوجيات عسكرية متقدمة، حيث تمتلك الولايات المتحدة وإسـرائيل تفوقًا واضحًا في السيطرة الجوية، وقدرات استخباراتية عالية، وإمكانية تنفيذ ضربات دقيقة تصل إلى عمق الأراضي الإيرانية. غير أن هذا التفوق، على أهميته، لا يبدو كافيًا لحسم الصراع. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في ميزان القوة العسكرية وحده، بل في طبيعة المسرح الجغرافي نفسه. إيران ليست هدفًا يمكن إخضاعه عبر القصف الجوي وحده، بل هي كيان جغرافي معقّد، تفرض تضاريسه وحدوده الطبيعية قيودًا صارمة على أي محاولة للحسم السريع.

إن المحور الإيراني، بوصفه مفهومًا جيوسياسيًا، لا يمثل مجرد مساحة داخل حدود دولة، بل يعكس بنية مكانية معقدة تربط بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا، ما يجعله أشبه بمفصل جغرافي يربط بين أقاليم متعددة. هذا الموقع لا يمنح إيران فقط قدرة على التأثير في تدفقات الطاقة وشبكات التجارة، بل يضعها في قلب التفاعلات الاستراتيجية الكبرى. فوجودها بين بحر قزوين والخليج العربي، وإشرافها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يجعل منها لاعبًا لا يمكن تجاوزه، حتى في ظل محاولات العزل أو الاحتواء.

في هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الإيرانية الحالية - القائمة على الصمود ورفع الكلفة تدريجيًا - انعكاسًا مباشرًا لحقائق الجغرافيا. فعلى عكس دول ذات مساحات محدودة وبنى اقتصادية مكشوفة على السواحل، تمتلك إيران عمقًا جغرافيًا واسعًا تحميه سلاسل جبال زاغروس والبرز، والهضبة الداخلية الممتدة بينهما. هذه التضاريس لا توفر فقط حماية دفاعية، بل تعقّد أي محاولة لشن هجوم بري واسع النطاق. وقد أثبت التاريخ مرارًا أن الجغرافيا الإيرانية كانت عامل استنزاف للجيوش الغازية، من تعثر الحملات الرومانية القديمة، إلى الصعوبات التي واجهتها القوات العراقية خلال حرب الثمانينيات.

ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث عن حسم الحرب عبر سيناريو بري شامل أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الواقعي. فإيران، التي تفوق العراق مساحة بعدة أضعاف ويبلغ عدد سكانها أكثر من 90 مليون نسمة، تمثل تحديًا لوجستيًا وعسكريًا هائلًا. إن التجارب الأميركية في العراق وأفغانستان، رغم كلفتها الضخمة، قد لا تمثل سوى الحد الأدنى لما قد تتطلبه مواجهة طويلة داخل الأراضي الإيرانية. وهنا تتجلى حدود القوة العسكرية الحديثة عندما تصطدم بجدار الجغرافيا.

وبينما تتجه الحرب نحو الاعتماد على القوة الجوية والضغط البحري، تبرز الفوارق الجغرافية داخل إيران نفسها كعامل حاسم في تحديد فعالية العمليات. فالمناطق الغربية والجنوبية الغربية، مثل خوزستان وبوشهر، تبقى أكثر عرضة للضـربات الجوية بسبب قربها من الخليج العربي وسهولة الوصول إليها.

لكن كلما تعمقنا شـرقًا داخل الهضبة الإيرانية، نحو مناطق مثل يزد وخراسان وكرمان، يصبح المجال العملياتي أكثر تعقيدًا، حيث تحمي المسافات الطويلة والتضاريس الوعرة هذه المناطق، وتفرض قيودًا على كثافة الضـربات واستمراريتها. وهذا لا يجعل هذه المناطق محصنة بالكامل، لكنه يقلل من سـرعة وفعالية العمليات، ويمنح إيران قدرة أكبـر على إعادة الانتشار وإخفاء بنيتها الاستراتيجية.

غير أن تأثير الجغرافيا لا يتوقف عند البـر، بل يتجلى بشكل أكثر حدة في البحر، وتحديدًا في مضيق هرمز، الذي يمثل القلب الحقيقي لهذا الصـراع. فهذا الممر الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه بضعة أميال، يحمل على عاتقه نحو خُمس استهلاك النفط العالمي. وهنا تتحول الجغرافيا إلى أداة قوة غير متكافئة، حيث تستطيع إيران، بحكم موقعها، أن تؤثر في الاقتصاد العالمي دون الحاجة إلى تحقيق نصـر عسكري مباشر. إن مجرد خلق حالة من عدم اليقيـن حول أمن المضيق كفيل بإرباك الأسواق، ورفع أسعار الطاقة، وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.

والأهم من ذلك أن السيطرة على هذا المضيق لا ترتبط بنقطة واحدة يمكن استهدافها، بل ببنية جغرافية أوسع تشمل سواحل ممتدة لنحو 1500 ميل، وجزر وممرات بحرية متعددة. وهذا يعني أن تحييد النفوذ الإيراني في هرمز لا يمكن أن يتم عبر ضـربة محدودة، بل يتطلب هيمنة بحرية مستمرة ومكلفة، وهو أمر بالغ التعقيد. ومن هنا، يتحول المضيق إلى ساحة جمود استراتيجي، حيث تتوازن القدرة على التهديد مع صعوبة الحسم.

وإذا كان هرمز يمثل مركز الثقل، فإن مضيق باب المندب يكشف عن البعد الأوسع لهذا الصراع، حيث تتداخل الجغرافيا مع الفاعلين غير الدولتيين، كما يظهر في دور الحوثيين في اليمن. فالهجمات على الملاحة في البحر الأحمر توضح كيف يمكن لنفوذ غير مباشر أن يعيد تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية، ويحوّل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط عالمي. ومع ضيق هذا المضيق وقلة البدائل المتاحة، فإن أي تعطيل فيه قد يجبر التجارة العالمية على اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة، ما يربط الصـراع الإقليمي مباشرة بالاقتصاد الدولي.

في ضوء ذلك، لم تعد الحرب تُخاض فقط في سماء إيران أو على حدود إسرائيل، بل امتدت إلى شبكة معقدة من الممرات البحرية ونقاط الاختناق التي تشكل عصب الاقتصاد العالمي. وهنا تتجسد فكرة "انتقام الجغرافيا" بأوضح صورها: فالتكنولوجيا، رغم تطورها، لم تلغِ أهمية الموقع، بل زادت من حساسيته. فالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة لم تُلغِ المسافات، بل جعلت المضائق أكثر ضيقًا، والسواحل أكثر خطورة، والجغرافيا أكثر حضورًا.

إن هذه الحرب تكشف أيضًا عن حدود القوة الإسرائيلية عندما تواجه واقعًا جغرافيًا مختلفًا جذريًا. فرغم القدرة على تنفيذ ضـربات دقيقة وعميقة، إلا أن هذه الضـربات لا تغير من حقيقة أن إيران كيان ممتد يصعب احتواؤه أو شلّه بضـربة واحدة. فالجغرافيا الإيرانية، بامتدادها وتعقيدها، توفر نوعًا من الحصانة البنيوية، في حين تبقى إسرائيل، رغم تفوقها النوعي، محكومة بقيود المساحة وضيق العمق الاستراتيجي، ما يجعل أي صراع طويل الأمد أكثر كلفة وتعقيدًا بالنسبة لها.

ولا يمكن فصل هذا الصـراع عن السياق الدولي الأوسع، حيث يتحول المحور الإيراني إلى نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل النظام العالمي. فالولايات المتحدة تحاول موازنة الدعم لإسرائيل مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، بينما تراقب روسيا والصين هذا الصراع بوصفه فرصة لإعادة توزيع النفوذ العالمي. وفي هذا الإطار، لم تعد إيران مجرد طرف في نزاع إقليمي، بل أصبحت عنصـرًا في معادلة دولية أوسع، يتقاطع فيها الاقتصاد بالطاقة، والجغرافيا بالسياسة، والتاريخ بالمستقبل.

إن العودة إلى النظريات الجيوسياسية الكلاسيكية تساعد في فهم هذا المشهد بصورة أعمق. ففكرة "قلب العالم" لماكندر، التي تربط السيطرة على أوراسيا بالهيمنة العالمية، تبدو حاضـرة في خلفية هذا الصراع، حيث تشكل إيران جزءًا من المجال الرابط بين قلب القارة وأطرافها. كما أن أطروحات ماهان حول أهمية القوة البحرية تجد صداها في الدور الحاسم للمضائق، التي لم تعد مجرد مسارات عبور، بل تحولت إلى أدوات صراع بحد ذاتها.

في النهاية، تكشف حرب 2026 أن الجغرافيا لم تعد مجرد خلفية صامتة، بل عادت لتكون الفاعل الأساسي في تحديد مسار الصراع. فبينما تتغير التحالفات وتتبدل السياسات، تبقى الجبال في مكانها، والمضائق على حالها، والمسافات تفرض شروطها. ومن هذا المنظور، فإن ما نشهده اليوم ليس فقط صراعًا بين دولتين، بل لحظة تاريخية تنتصر فيها الخريطة على الوهم، ويعود فيها العالم إلى قواعده الأولى.

وكما يلخص كابلان بدقة، فإن من يريد أن يفهم المستقبل، عليه ألا ينظر إلى الخطابات، بل إلى الخريطة. ففيها، وربما فيها فقط، تكمن الحقيقة الأكثر ثباتًا في عالم سريع التغير.

whatsApp-Icon
bottom of page