جاء وقت الأردن: حين تتحول الجغرافيا إلى ورقة سيادية كبرى
محمد رسول الزعبي
باحث في الاقتصـاد السياسـي الـدولـي وتحولات النظام العالمي
14/5/2026

في لحظة الانسداد الكبرى التي يعيشها الشرق الأوسط، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري للطاقة، ولم تعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية أو تفاوضية عابرة.
في لحظة الانسداد الكبرى التي يعيشها الشرق الأوسط، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري للطاقة، ولم تعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية أو تفاوضية عابرة. نحن أمام إعادة تشكيل واسعة لخريطة الطاقة العالمية، حيث لم تعد الحروب تُدار فقط بالصواريخ والأساطيل، بل بالممرات والأنابيب والموانئ والبوابات البرية القادرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة تفاوضية.
من هنا، تبدو المسألة أعمق من سؤال: "من يريد فتح مضيق هرمز؟"
السؤال الحقيقي هو: من يستفيد من بقائه مغلقًا أو شبه مغلق؟ ومن يملك البديل الجغرافي عندما يتحول الخليج العربي إلى بحيرة محاصرة؟
الولايات المتحدة، بوصفها أكبر منتج للنفط في العالم، وروسيا، بوصفها قوة غازية كبرى وصاحبة نفوذ واسع في أسواق الطاقة، لا تنظران إلى أزمة هرمز من زاوية أمن الملاحة فقط، بل من زاوية التحكم في سوق الطاقة العالمي: الكميات، والأسعار، وطرق العبور، ومناطق النفوذ. فالطاقة اليوم ليست سلعة اقتصادية فحسب، بل أداة سيادة وهيمنة وتفاوض.
في هذه المعادلة، يصبح الإغلاق ا لكامل أو الجزئي لهرمز وسيلة لإعادة تسعير العالم. وكل يوم يتعطل فيه الممر، ترتفع قيمة البدائل: خطوط البر، والموانئ الجانبية، والطرق العابرة للدول، وممرات الطاقة القادرة على تجاوز الاختناق البحري.
وهنا يظهر الأردن، لا كدولة هامشية بين الأزمات، بل كعقدة جغرافية قادرة على التحول إلى بوابة استراتيجية بين الخليج والعراق وشرق المتوسط وأوروبا.
الخليج العربي، إذا أُغلق هرمز أو خضع لمنطق التهديد المستمر، يتحول عمليًا إلى بحيرة مغلقة. وفي البحيرات المغلقة لا تكفي القوة البحرية وحدها، بل يصبح البحث عن مخارج برية ضرورة استراتيجية. ومن هذه الزاوية، يبرز الأردن بوصفه الممر الأكثر منطقية لربط الخليج والعراق بشرق المتوسط، عبر مسار يمتد من الخليج والعراق إلى الأردن، ثم إلى شرق المتوسط، فـقبرص، فـاليونان، فـأوروبا.
ليست هذه مجرد فكرة نظرية. فقد عادت مشاريع الربط الإقليمي وخطوط النفط والسكك الحديدية والممرات التجارية ب قوة إلى قلب النقاش، خصوصًا مع بدء العراق العمل على خط البصرة–حديثة بطاقة مخططة تصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا، في خطوة تهدف إلى توسيع خيارات التصدير وتقليل الارتهان للممرات البحرية التقليدية. كما أن النقاش حول خط العراق–الأردن–مصر، أو المسارات البديلة عبر العقبة وشرق المتوسط، بات أكثر إلحاحًا مع أزمة هرمز.
لكن قيمة الأردن لا تكمن فقط في كونه طريق عبور. القيمة الحقيقية تكمن في موقعه الذي يقع في منتصف معادلة أكبر: الخليج من الجنوب الشرقي، والعراق من الشرق، وسوريا وتركيا من الشمال، وفلسطين وشرق المتوسط من الغرب، ومصر والبحر الأحمر من الجنوب. هذه ليست جغرافيا عادية؛ هذه جغرافيا تصلح لأن تكون منصة لإعادة بناء التوازن الإقليمي.
وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد: "ماذا يستطيع الأردن أن يقدّم؟"
بل: "ما الثمن الذي يجب أن يُدفع للأردن مقابل فتح هذه الورقة؟
إذا كان العالم يريد ممرًا آمنًا للطاقة والتجارة، وإذا كانت أوروبا تبحث عن بديل لهشاشة هرمز والبحر الأحمر، وإذا كانت دول الخليج تبحث عن منفذ بري آمن نحو المتوسط، وإذا كان العراق يريد تنويع طرق تصديره، فإن الأردن لا ينبغي أن يكون مجرد ممر صامت. يجب أن يكون شريكًا في المعادلة، وصاحب حصة سياسية واقتصادية وأمنية واضحة.
الثمن الاستراتيجي لا يكون فقط برسوم عبور أو استثمارات في البنية التحتية، بل بمنح الأردن دورًا إقليميًا مركزيًا في هندسة الاستقرار، وهنا يمكن طرح فكرة أوسع: قيام فضاء مشرقي جديد، أو صيغة اتحادية سورية–أردنية–مشرقية، تكون قادرة على ضبط الممر الممتد من العقبة إلى الحدود التركية، ومن العراق إلى شرق المتوسط. ليست المسألة توسعًا تقليديًا، بل إعادة بناء مجال استراتيجي قادر على إنتاج الأمن، وحماية الممرات، وفرض الاستقرار، ومنع الفراغ الذي تستغله الميليشيات والقوى الخارجية.
ففي ظل حالة «لا حرب ولا سلم»، قد يستطيع الحرس الثوري الإيراني الصمود طويل ًا، مستفيدًا من اقتصاد الظل والممرات البديلة والقدرة على إدارة الاستنزاف دون الوصول إلى تسوية نهائية. وقد تبقى لإيران بوابات مفتوحة، سواء عبر بحر قزوين باتجاه روسيا، أو عبر طرق آسيوية باتجاه الصين وباكستان. وهذا يعني أن الحصار الأمريكي، مهما بدا قاسيًا، لن يكون كاملًا جغرافيًا. لكنه سيزيد من أهمية الممرات البديلة، وسيجعل الأردن أكثر قيمة لا أقل.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ضاق هرمز، اتسع الدور الأردني. وكلما تعقدت الملاحة البحرية، ارتفعت قيمة الجغرافيا البرية. وكلما تحولت الطاقة إلى أداة ضغط، أصبح من يملك طريق العبور مالكًا لجزء من القرار.
لذلك، يجب على الأردن ألا يتصرف كدولة تنتظر المساعدات، بل كدولة تمتلك مفتاحًا استراتيجيًا. ومن يملك المفتاح لا يقدمه مجانًا. على الأردن أن يضع أوراقه على الطاولة: الأمن، والطاقة، والتجارة، والموانئ، والربط البري، وإعادة إعمار سوريا، واستقرار العراق، وبوابة الخليج إلى المتوسط، وبوابة أوروبا إلى المشرق.
لقد اعتادت القوى الكبرى أن تنظر إلى الأردن باعتباره دولة توازن ووساطة واعتدال. لكن اللحظة الحالية تفرض تعريفًا جديدًا: الأردن ليس فقط دولة استقرار، بل دولة ممرات. ومن يملك الممرات في زمن اختناق الطاقة، يملك قدرة تفاوضية لا تقل أهمية عن امتلاك النفط نفسه.
لقد جاء الوقت.
كل من يملك أوراقًا عليه أن يضعها على الطاولة.
والأردن يملك ورقة نادرة: الجغرافيا التي تتحول، في لحظة الأزمة، إلى مفتاح الإقليم.
