top of page

معضلة تشكيل حكومات برلمانية حزبية في ضوء التعديلات الدستورية

معاذ العتوم

باحث في الشأن السياسي والإعلامي

5/1/2026

pdf (2).png

فرضت المتغيرات المتسارعة التي حدثت في المنطقة العربية إثر ثورات الربيع العربي اتجاهاً جديداً في مسار العملية الديموقراطية في الأردن، وأتاحت مناخاً من المراجعات الفكرية شاركت فيه مختلف التيارات والأحزاب السياسية بهدف إجراء إصلاحات سياسية شاملة تفضي إلى حكومات برلمانية.

فرضت المتغيرات المتسارعة التي حدثت في المنطقة العربية إثر ثورات الربيع العربي اتجاهاً جديداً في مسار العملية الديموقراطية في الأردن، وأتاحت مناخاً من المراجعات الفكرية شاركت فيه مختلف التيارات والأحزاب السياسية بهدف إجراء إصلاحات سياسية شاملة تفضي إلى حكومات برلمانية.

وعلى مرّ عقدٍ كامل كانت وما زالت هذه الإصلاحات تسير ببطء شديد، نظراً لأن عملية التحول الديموقراطي في أيّ كيانٍ سياسي تتطلب وقتاً كافياً ليتم استيعابها جماهيرياً؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر مرّ النظام السياسي في فرنسا بالعديد من الثورات والتطورات، بدءاً من الثورة الفرنسية 1789 إلى أن استقر عام 1958 بمجيء الجمهورية الفرنسية الخامسة.

في الأردن يعتبر نظام الحكم: نيابي ملكي وراثي، وآلية تشكيل الحكومة فيه – التي ينظر إليها على أنّها صاحبة الولاية – يتم بالتعيين المباشر من قبل الملك، إلاّ أنّ هذه الآلية وعلى مرّ العقود الماضية أثبتت هشاشتها في تعزيز مبدأ "سيادة الشعب" نظراً لاستحالة محاسبة الحكومات بشكل حقيقي على أخطائها من قبل مجلس النواب، الذي ينظر إليه أيضاً على أنّه مجلس ديكور وأنّ يد السلطة التنفيذية ممتدةٌ إليه، مما يعني انسداداً في الأفق السياسي وإصراراً من الدولة العميقة على تغييب الإرادة الشعبية.

وعلى وقع احتفالات الأردن بانتهاء المئوية الأولى لنشوء الدولة 1921-2021، وما شهدته من قضايا وملفات شائكة، وصفت بأنّها "هزات سياسية واقتصادية"، وشيوع حالة من غياب العدالة وانعدام تكافؤ الفرص والمساواة، بات من الملح أكثر مما سبق إجراء تعديلات دستورية تفضي إلى تحديث النظام السياسي وإلى احترام إرادة الشعب والامتثال لها؛ وهو ما عبّرت عنه الإرادة الملكية بتشكيل لجنة لتحديث المنظومة السياسية، والتي تعتبر محطة بارزة في الانتقال إلى المئوية الثانية بما يكرس الشعور لدى المواطنين أنّهم أساس عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية.

إنّ توصيات لجنة تحديث المنظومة السياسية عزّزت حالة من الجدال وردوداً متباينة في الساحة السياسية الأردنية خاصة وأنّه ينظر إلى أنّ رئيس اللجنة "سمير الرفاعي" يعتبر من خصوم "التغيير السياسي" وأنّه قادم من مؤسسة الحكم التي ثار عليها الشعب عام 2011، إثر احتجاجات ضد سياسات حكومته الاقتصادية والسياسية؛ وقد زاد الطين بلة عندما قدمت الحكومة الأردنية 2021 إلى مجلس النواب مقترحات على تعديلات دستورية شملت التوسع في إعطاء الملك المزيد من الصلاحيات التنفيذية كتشكيل مجلس للأمن الوطني والسياسة الخارجية يرأسه الملك، ويضم هذا المجلس رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والخارجية وقائد الجيش ومدير المخابرات وعضوين آخرين يعينهما الملك، إضافة إلى صلاحيات تعيين قاضي القضاة ورئيس المجلس القضائي والشرعي والمفتي العام ورئيس الديوان الملكي مستشاري الملك.

وتعد هذه التعديلات بنظر أحزاب سياسية أردنية وبعض ممثلي الشعب وقادة الرأي انقلاباً على الدستور، وأنّها تكريسٌ لسلطة مقيدة وسحباً للولاية العامة من يد الحكومة المنتخبة التي توافقت عليها مختلف القوى والتيارات السياسية وفقاً لتوصيات اللجنة الملكية لإصلاح المنظومة السياسية.

فقد عبّر حزب جبهة العمل الإسلامي([1]) عن خيبة أمله في هذه التعديلات التي اعتبرها أنّها: "لا تعبّر تماماً عن مطالب الشعب الأردني ولا تحقق مضمون النصوص الدستورية التي نصّت على أنّ نظام الحكم نيابي ملكي وراثي وأنّ الأمة مصدر السلطات"، في حين أنّ حزب الشراكة([2]) قال عنها: "أّنها انسداد للأفق السياسي وانعدامٌ للشفافية"؛ أما النائب صالح العرموطي فقد وصف هذه التعديلات تحت قبة البرلمان بأنّها: "انقلابٌ على مؤسسات الدولة والنّظام"؛ بينما تساءل المحلل والكاتب السياسي حسن البراري عن معنى الانتقال الديمقراطي وعن أهمية وجدوى البرلمان الحزبي المنتخب الذي يشكل الحكومات، وأنّ هذه التعديلات، هي: "تمركز شديد وغير مسبوق للسلطة"

ويبدو أنّ هذه التعديلات جاءت في جوٍّ مشحون ومحتقن تجاه العديد من الملفات والقضايا التي فشلت الحكومة في إدارتها، خاصة وأنّ الأردن يعاني من فجوة وشرخ كبير في العلاقة ما بين الشعب والحكومات التي لا تعبر عن تطلعاته وآماله، ويبدو والحالة هذه بأنّ مسألة تشكيل حكومات حزبية برلمانية مسألة بعيدة المنال في ظل مثل هذه التعديلات التي تصب المزيد من الاحتقان في الشارع الأردني، ولا تفضي إلى حكومات برلمانية حقيقية تكون لها الولاية العامة ويسائلها الشعب.


([1]) حزب سياسي أردني تأسس في 8/12/1992، ويعتبر أكبر حزب سياسي في الأردن، وهو الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين المنحلة في: 21/4/2025
([2]) حزب سياسي أردني تمّ حله بقرار من مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخابات، وصادقت عليه المحكمة الإدارية العليا الأردنية بتاريخ: 16/4/2024؛ وقد تأسس الحزب في أواخر العام 2017 وانشق أعضاؤه عن حزب جبهة العمل الإسلامي.
whatsApp-Icon
bottom of page