top of page

أمريكا في فخ الحرب مع إيران: لماذا يبدو الخروج أصعب من الاستمرار؟

محمد رسول الزعبي

باحث في الاقتصـاد السياسـي الـدولـي وتحولات النظام العالمي

29/3/2026

pdf (2).png

يست القضية الأهم في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران هي عدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا حجم الدمار الذي لحق بهذا الطرف أو ذاك، ولا حتى التصريحات اليومية الصادرة من ...

ليست القضية الأهم في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران هي عدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا حجم الدمار الذي لحق بهذا الطرف أو ذاك، ولا حتى التصريحات اليومية الصادرة من واشنطن أو طهران. فكل هذه العناصر، على أهميتها، تبقى في مستوى المتابعة الميدانية المباشرة. أما السؤال الأعمق والأخطر فهو: هل تستطيع الولايات المتحدة فعلاً إيقاف هذه الحرب؟ وهل تملك القدرة على فرض وقف لإطلاق النار، أو التراجع المنظم، أو إنتاج تسوية تحفظ مصالحها وتمنع انزلاق المنطقة إلى صراع أطول وأوسع؟

الجواب الذي يفرض نفسه عند التدقيق في بنية الصراع لا يبدو مطمئنًا. فالولايات المتحدة تبدو اليوم في وضع أقرب إلى المأزق الاستراتيجي منه إلى موقع القوة القادرة على الحسم. إنها ليست عاجزة تمامًا عن القتال، لكنها أيضًا ليست حرة في الانسحاب. وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة: عندما تصبح كلفة الاستمرار مرتفعة، لكن كلفة التراجع قد تبدو، في نظر صانع القرار، أعلى من ذلك.

منطق الحرب حين يتحول إلى قوة مستقلة

من أخطر ما في الحروب الكبرى أنها، بعد نقطة معينة، تخرج من الإطار الذي يبدأها السياسيون، وتدخل في منطق ذاتي يصعب التحكم به. فالحرب لا تبقى مجرد أداة في يد الدولة، بل تتحول إلى مسار يفرض منطقه على الجميع: على القرار السياسي، وعلى المؤسسة العسكرية، وعلى الإعلام، وعلى الرأي العام.

لقد رأينا هذا بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية. فمنذ بداياتها، كان واضحًا أن كلفة استمرارها هائلة على جميع الأطراف، وأن مسارات تفاوضية كانت ممكنة في مراحل مختلفة. ومع ذلك، استمرت الحرب، لأن التراجع لم يعد يُقرأ باعتباره خطوة عقلانية، بل بوصفه هزيمة سياسية ورمزية يصعب على أي طرف تحملها. وهذا النمط التاريخي يتكرر كثيرًا: حين تبدأ الحروب، يصبح إنهاؤها أكثر تعقيدًا من إشعالها.

 في الحالة الإيرانية، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا؛ لأن الحرب لا تتعلق فقط بمواجهة عسكرية مباشرة، بل ترتبط أيضًا بموقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبمصداقية ردعها، وبهيكل نفوذها العالمي.

لماذا لا يبدو وقف إطلاق النار خيارًا بسيطًا؟

قد يظن البعض أن الطريق الأسهل لأي إدارة أمريكية هو الذهاب إلى التفاوض وطلب وقف إطلاق النار. لكن هذا التصور يتجاهل طبيعة الصراع نفسه. فالتفاوض لا يبدأ من فراغ، بل من ميزان قوة ومن سردية متبادلة حول المسؤولية والردع والمصالح.

من منظور إيراني، أي وقف للحرب يجب أن يضمن شيئًا أساسيًا: ألا تتمكن الولايات المتحدة أو إسرائيل من تكرار المشهد ذاته لاحقًا. وهذا يعني أن أي تسوية حقيقية، من وجهة نظر طهران، لا بد أن تمس البنية الأمنية الأمريكية في المنطقة أو تحدّ منها بدرجة كبيرة. ومن هنا، يصبح التفاوض ليس مجـرد وقـف نار، بل نقاشًا حــول النفوذ، والقواعد العسكرية، والردع، وشكـل التــــوازن الإقليمي القادم.

أما من منظور واشنطن، فإن القبول بتسوية تُفهم إقليميًا على أنها تراجع تحت الضغط، قد يفتح الباب أمام اهتزازات أوسع: في الخليج، وفي شرق آسيا، وحتى في أوروبا. لذلك فإن المشكلة ليست في غياب قنوات التفاوض فقط، بل في أن أي تفاوض جدي قد يفرض أثمانًا سياسية واستراتيجية لا ترغب الولايات المتحدة في دفعها.

الخليج ليس مجرد ساحة ... بل محور في بنية القوة الأمريكية

تكمن حساسية الشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن في أنه ليس مجرد ملف خارجي عادي، بل منطقة ترتبط مباشرة ببنية النفوذ الأمريكي العالمي. فوجود الولايات المتحدة في الخليج لم يكن يومًا مسألة عسكرية صرفة، بل كان جزءًا من شبكة أوسع تتصل بأمن الطاقة، وطرق التجارة، واستقرار الحلفاء، ومكانة الدولار، وهيبة المظلة الأمنية الأمريكية.

ولهذا، فإن أي انكفاء أمريكي كبير من المنطقة لا يُقرأ فقط باعتباره تغييرًا جغرافيًا في توزيع القوات، بل باعتباره إشارة استراتيجية إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء. حلفاء واشنطن سيتساءلون عندئذ: إذا كانت الولايات المتحدة غير قادرة على حماية مصالحها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، فإلى أي مدى يمكن الوثوق بالتزاماتها في مناطق أخرى؟ أما الخصوم، فسينظرون إلى ذلك بوصفه دليلًا على قابلية الضغط والاستنزاف.

هنا بالذات يتصل الملف الإيراني بما هو أبعد من إيران نفسها.

المبالغة في سردية "انهيار أمريكا"... والواقع الأكثر تعقيدًا

مع ذلك، من المهم التمييز بين التحليل الاستراتيجي وبين الخطاب التعبوي أو التهويل السياسي. فثمة مبالغة واضحة في بعض الطروحات التي تزعم أن أي تراجع أمريكي في الشرق الأوسط سيؤدي فورًا إلى انهيار "البترودولار"، وسقوط الدولار كعملة احتياط عالمية، وانهيار الاقتصاد الأمريكي دفعة واحدة.

هذه السردية، رغم أنها تلامس بعض عناصر القلق الحقيقي في بنية القوة الأمريكية، إلا أنها تختزل النظام الدولي اختزالًا مفرطًا. فالدولار لا يستند فقط إلى تسعير النفط، بل إلى عمق الأسواق المالية الأمريكية، وحجم الاقتصاد، والثقة المؤسسية، والدور المركزي للولايات المتحدة في النظام المالي العالمي. كما أن حلفاء واشنطن لا ينتقلون آليًا من المعسكر الأمريكي إلى المعسكر الإيراني بمجرد حدوث ارتباك أو تراجع تكتيكي.

لكن هذا لا يعني أن التراجع بلا كلفة. بل يعني فقط أنه ليس انهيارًا فوريًا، بل تآكلًا تدريجيًا في الهيبة والقدرة على الردع وإدارة التحالفات. وهذا النوع من التراجع أخطر أحيانًا من الصدمة المفاجئة، لأنه يتسلل ببطء إلى بنية النظام الدولي.

فخ التصعيد: حين يصبح الحل العسكري بوابة إلى مأزق أكبر

إذا كان وقف الحرب صعبًا، فإن توسيعها ليس أقل خطورة. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"فخ التصعيد". ففي لحظات الإحراج الاستراتيجي، تميل القوى الكبرى إلى البحث عن "إنجاز عسكري واضح" يعيد ترميم صورة القوة. لكن هذه الرغبة كثيرًا ما تفتح بابًا لحروب أعمق من المخطط لها.

في الحالة الإيرانية، لا تبدو المشكلة في القدرة على توجيه ضربات أو تدمير أهداف بعينها، بل في السؤال التالي: ماذا بعد الضربة؟ فإذا جرى استهداف مواقع حيوية، أو السيطرة على نقاط اقتصادية حساسة، أو توسيع العمليات إلى البر الإيراني، فإن ذلك قد يفتح مسارًا تصاعديًا يصعب ضبطه. وهنا تبرز خبرة التاريخ الأمريكي في فيتنام والعراق وأفغانستان: الدخول محدودًا أسهل بكثير من الخروج المنظم لاحقًا.

إيران، بخلاف كثير من الخصوم الذين واجهتهم الولايات المتحدة في حروب سابقة، ليست دولة يمكن شلها فقط عبر الضربات الجوية. فهي تملك عمقًا جغرافيًا، وعقيدة أمنية قائمة على اللامركزية، وقـدرات صاروخـية ومسيرات، وشبكات إقليمية تجعل كلفة أي مواجهــة شاملة ممتـدة وعالية.

هل تستطيع أمريكا أن تنتصر عسكريًا؟

السؤال الأصح ربما ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة إلحاق ضرر بالغ بإيران؟ فالإجابة على ذلك معروفة: نعم، تستطيع. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن ترجمة التفوق العسكري إلى نصر سياسي مستقر؟ وهنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا.

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن التفوق العسكري الأمريكي لا يتحول دائمًا إلى نتائج استراتيجية مستدامة. فالقدرة على التدمير ليست هي نفسها القدرة على فرض نظام سياسي جديد أو إعادة تشكيل البيئة الأمنية وفق الشروط الأمريكية. والسبب أن خصوم الولايات المتحدة تعلموا من حروبها السابقة، وطوروا أساليب قتال تقوم على امتصاص الصدمة الأولى، ثم استنزاف القوة المتفوقة على المدى الطويل.

ولهذا، فإن الحديث عن "نصر حاسم" في حرب كهذه يبدو أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى التقدير الاستراتيجي الواقعي.

بين الهيمنة القديمة والعالم الجديد

تكشف هذه الحرب، في جوهرها، أزمة أعمق من مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران. إنها تكشف أزمة نموذج كامل من إدارة القوة في النظام الدولي. فالولايات المتحدة ما تزال تتصرف في كثير من الملفات بوصفها القطب القادر على ضبط التوازنات العالمية وفرض قواعد اللعبة، بينما يشير الواقع إلى عالم أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للهيمنة الأحادية.

هذا لا يعني أن أمريكا انتهت، ولا أن خصومها صعدوا إلى موقع التفوق الكامل. لكنه يعني أن المرحلة التي كان يمكن فيها استخدام التفوق العسكري وحده لإنتاج نظام سياسي مريح لواشنطن أصبحت وراءنا إلى حد بعيد. فالعالم يتحول، ومراكز القوة تتوزع، والحروب لم تعد تُحسم فقط بالسلاح، بل بالقدرة على التحمل، وبإدارة الاقتصاد، وبناء التحالفات، والسيطرة على السرديات.

الخلاصة: أمريكا ليست عاجزة... لكنها محاصرة بخيارات سيئة

يمكن القول إن الولايات المتحدة ليست في حالة شلل كامل، لكنها أيضًا ليست أمام خيارات جيدة. فالتراجع يحمل ثمنًا استراتيجيًا كبيرًا، والتصعيد قد يقود إلى مستنقع أوسع، والحسم السريع غير مضمون، والتفاوض الحقيقي قد يتطلب تنازلات لا تريد واشنطن الاعتراف بها.

هذا هو جوهر المأزق: ليست المشكلة أن أمريكا لا تملك القوة، بل أن القوة نفسها لم تعد كافية لإنتاج مخرج آمن.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة الانتصار؟ بل: هل تستطيع إعادة تعريف مصالحها وأدواتها ودورها العالمي بطريقة أكثر واقعية وأقل اندفاعًا؟ لأن البديل عن ذلك قد لا يكون هزيمة عسكرية تقليدية، بل استنزافًا طويلًا يضعف الجميع: أمريكا، وإيران، والمنطقة، وربما النظام الدولي كله.

في النهاية، قد لا تكون أخطر الحروب هي تلك التي تبدأها القوى الكبرى وهي واثقة من قوتها، بل تلك التي تكتشف خلالها أن القوة وحدها لم تعد تكفي.

whatsApp-Icon
bottom of page